الشيخ محمد رشيد رضا

58

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وضرب صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك مثل من استأجر عمالا بأجرة معينة على عمل كثير وعمالا بأجرة أكثر على عمل قليل وذكر أن المؤمنين المأجورين من أهل الكتابين يسألون ربهم عن ذلك في الآخرة . قال « فقال أهل الكتابين : أي رب أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا منهم . قال اللّه عز وجل : ( هل ظلمتكم من أجركم شيئا ؟ ) قالوا لا . قال فهو فضلي أوتيه من أشاء » أخرجه البخاري في أبواب مواقيت الصلاة وكتاب التوحيد وغيرهما . وهذا المعنى في آخر سورة الحديد من كتاب اللّه تعالى ( 57 : 27 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ - إلى قوله - وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) والحديث يدل على أن اللّه تعالى اطلع رسوله فيما أظهره عليه من الغيب على ما يكون من سؤال مؤمني أهل الكتابين ربهم عن سبب تفضيل هذه الأمة عليهم وإجابته تعالى إياهم ، وجواب الرب سبحانه لأهل الكتابين مبني على اتصافه عز وجل بالعدل والفضل وتنزهه عن الظلم ، ومن العدل اعطاء الحق لمستحقه ، وحق من يعبد اللّه تعالى وحده من عباده ولا يشرك به شيئا أن يتيبهم الجنة ولا يعذبهم عذاب من اشرك في النار . وقد ثبت في الصحيحين وسنن النسائي أن معاذا ( رض ) قال : بينا أنا رديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل فقال « يا معاذ » قلت لبيك رسول اللّه وسعديك ، ثم سار ساعة ثم قال « يا معاذ » قلت لبيك رسول اللّه وسعديك ثم سار ساعة ثم قال « يا معاذ » قلت لبيك رسول اللّه وسعديك قال « هل تدري ما حق اللّه على عباده ؟ » قلت اللّه ورسوله أعلم ، قال « حق اللّه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » ثم سار ساعة ثم قال « يا معاذ بن جبل » قلت لبيك رسول اللّه وسعديك . قال « هل تدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوه ؟ » قلت اللّه ورسوله أعلم ، قال « حق اللّه على العباد أن لا يعذبهم » رواه عنه البخاري في بضعة كتب من الصحيح ومسلم في كتاب الايمان . وهذه النصوص التي أوردناها من الآيات والأحاديث حجة على الرازي ومن قال بقوله من الأشعرية وغيرهم من اطلاق عدم سؤال العباد ربهم عن شيء وعدم ثبوت أي حق عليه تعالى ، وحجة لسلف الأمة الصالح وهم أهل السنة حقا من اثبات كل ما أثبته اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ما تقدم بيانه